ابن كثير
101
البداية والنهاية
مت عطشا لم أستطع أن أشرب في هذا . فأتي به في قدح آخر يرضاه فلما أخذه جعلت يده ترعد ، وقال : إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب . فقال عمر : لا بأس عليك حتى تشربه فأكفأه . فقال عمر : أعيدوه عليه ولا تجمعوا عليه القتل والعطش . فقال : لا حاجة لي في الماء ، إنما أردت أن أستأنس ( 1 ) به . فقال له عمر : إني قاتلك ، فقال : إنك أمنتني . قال : كذبت : فقال أنس : صدق يا أمير المؤمنين ، فقال عمر : ويحك يا أنس أنا أؤمن من قتل مجزأة والبراء ؟ لتأتيني بمخرج وإلا عاقبتك ، قال : قلت لا بأس عليك حتى تخبرني . وقلت : لا بأس عليك حتى تشربه ، وقال له من حوله مثل ذلك . فأقبل على الهرمزان فقال : خدعتني والله لا أنخدع إلا أن تسلم . فأسلم ففرض له في ألفين وأنزله المدينة . وفي رواية أن الترجمان بين عمر وبين الهرمزان كان المغيرة بن شعبة ، فقال له عمر : قل له من أي أرض أنت ؟ قال مهرجاني . قال : تكلم بحجتك . فقال : أكلام حي أم ميت ؟ قال : بل كلام حي . فقال قد أمنتني ، فقال خدعتني ولا أقبل ذلك إلا أن تسلم . فأسلم ففرض له في ألفين وأنزله المدينة . ثم جاء زيد فترجم بينهما أيضا . قلت : وقد حسن إسلام الهرمزان وكان لا يفارق عمر حتى قتل عمر فاتهمه بعض الناس بممالاة أبي لؤلؤة هو وجفينة ، فقتل عبيد الله بن عمر الهرمزان وجفينة على ما سيأتي تفصيله . وقد روينا أن الهرمزان لما علاه عبيد الله بالسيف قال : لا إله إلا الله . وأما جفينة فصلب على وجهه . والمقصود أن عمر كان يحجر على المسلمين أن يتوسعوا في بلاد العجم خوفا عليهم من العجم ، حتى أشار عليه الأحنف بن قيس بأن المصلحة تقتضي توسعهم في الفتوحات فإن الملك يزدجرد لا يزال يستحثهم على قتال المسلمين ، وإن لم يستأصل شأو العجم وإلا طمعوا في الاسلام وأهله ، فاستحسن عمر ذلك منه وصوبه . وأذن للمسلمين في التوسع في بلاد العجم ، ففتحوا بسبب ذلك شيئا كثيرا ، ولله الحمد . وأكثر ذلك وقع في سنة ثماني عشرة كما سيأتي بيانه فيها . ثم نعود إلى فتح السوس وجندسابور وفتح نهاوند في قول سيف . كان قد تقدم أن أبا سبرة سار بمن معه من علية الامراء من تستر إلى السوس ، فنازلها حينا وقتل من الفريقين خلق كثير ، فأشرف عليه علماء أهلها فقالوا : يا معشر المسلمين لا تتعبوا في حصار هذا البلد فإنا نأثر فيما نرويه عن قدمائنا من أهل هذا البلد أنه لا يفتحه إلا الدجال أو قوم معهم الدجال ، واتفق أنه كان في جيش أبي موسى الأشعري صاف بن صياد ، فأرسله أبو موسى فيمن يحاصره ، فجاء إلى الباب فدقه برجله فتقطعت السلاسل ، وتكسرت الاغلاق ، ودخل المسلمون البلد فقتلوا من وجدوا حتى نادوا بالأمان ودعوا إلى الصلح فأجابوهم إلى ذلك ، وكان على السوس شهريار ( 2 ) أخو
--> ( 1 ) في الطبري : أستأمن . ( 2 ) في فتوح ابن الأعثم : سابور ابن آذرماهان 2 / 6 .